الشيخ عبد الغني النابلسي

78

كتاب الوجود

تعالى ثابتة في العقول حالة العلم به ، أو الحكم عليه بنفي الصورة ، أو بإثباتها ، أو غير ذلك من الأحكام كيفما توجهت إليه العقول ؛ لتعلمه ، أو لتحكم عليه ، أو لتعبده ، لا سيما وقد وقع في عباراته لا تصوره العقول بأفكارها ، فذكر الأفكار يقتضى أنها لا تجعل له صورة إلا في الخارج ، فيتعين ما ذكرناه من عدم الفرق ، وإن أريد بلا تصوره العقول : لا تجعله مصورا فيها بصورة ، وأن تصوره فيها بصورة على أن العقول لا تعتقد أن له صورة ، وإن جعلت له صورة فيها في حال اعتقادها ذلك ؛ لضرورة العلم به ، أو الحكم عليه ، فقد تناقض الاعتقاد بإثبات الصورة له ونفيها عنه في حالة واحدة . ولم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا له على ما هو عليه في الخارج ، فهو اعتقاد باطل متناقض ، والتناقض محال عند العقلاء ، كما لا يخفى على كل عاقل منصف ، وربما يتهللون بأن التصور للشيء يكون على وجهين : تصور له بكنه حقيقته « 1 » ؛ وهو الممتنع عندهم ، وتصور له بوجه من الوجوه ؛ وهو ممكن عندهم ، فيكونون بقولهم ذلك حاكمين على اللّه تعالى بأنه يمكن تصوره بوجه من الوجوه ، فقد نقضوا عموم قولهم : لا تصوره العقول ، وقد جعلوا اللّه تعالى مشابها للممكنات بوجه من الوجوه ؛ حيث تصوروه من ذلك الوجه . واللّه تعالى واجب قديم لا يشابه الممكنات الحادثة من جميع الوجوه بمقتضى الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة « 2 » ؛ إذ لو أشبه الممكنات الحادثة بوجه لجاز عليه ما جاز على الممكنات من ذلك الوجه ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا .

--> ( 1 ) انظر ما تقدم قريبا نقلا من المعجم الصوفي ( 151 ) ، طبعة دار الرشاد . ( 2 ) هذه هي مصادر الفقه والتشريع الإسلامي ، والذي ذهب إليه جمهور الأصوليين والفقهاء إلى أن المصادر الأساسية للفقه هي : الكتاب : وهو القرآن المكتوب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو جميعه قطعي الثبوت . والسنة : هي سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قولا كان أو عملا أو تقريرا ، وهي الأصل الثاني من الأدلة الإجمالية والمصادر الفقهية . والإجماع : هو اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم على حكم شرعي عملي استنادا إلى الكتاب أو السنة أو القياس .